ابراهيم بن عمر البقاعي
30
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ذلك قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمدا فيها عَلَى اللَّهِ أي الملك الذي بيده كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان الثلاثة التي لا يصلح التوكيل إلا بها ، وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه ، والقدرة التامة لئلا يعجز ، والرحمة بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه ، والتوكل يكون مع مباشرة الأسباب وهو من المقامات العظيمة وإلا كان اتكالا ، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة ، لأنه إبطال حكمة اللّه التي أحكمها في الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب - قاله الملوي فَهُوَ أي اللّه في غيب غيبه فضلا عن الشهادة بسبب توكله حَسْبُهُ أي كافيه ، وحذف المتعلق للتعميم ، وحرف الاستعلاء للإشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء ، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه ، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار ، إلى غير ذلك من المعاني الكبار ، فلا يبدو له في عالم الشهادة شيء يشقيه لا من الغيب ولا من غيب الغيب ، وفي الحديث « لو أنكم توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 1 » . ولما كان ذلك أمرا لا يكاد يحيط به الوهم ، علله بقوله مهولا له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص بالِغُ أَمْرِهِ أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا ، وسماه أمرا إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به وإلى أنه في سرعة الكون إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير للملك الجليل الكبير . ولما كان ضرب المقادير من القادر موجبا لعدم الإخلال بشيء منها ، علل ذلك بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ أي الملك الذي لا كفوء له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقيد بجهة ولا حيثية لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً * أي تقديرا لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه ، فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم ، وقذف في قلبه السكينة ، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك ، وزاد ألمه وطال غمه بشدة سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة ، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط ، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص منها شيء ، ويحكى أن رجلا أتى عمر رضي اللّه عنه فقال :
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 2344 وابن ماجة 4164 وابن حبان 730 وابن المبارك 559 والحاكم 4 / 318 والقضاعي 1445 وأحمد 1 / 52 من حديث عمر وإسناده جيد وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه .